فخر الدين الرازي

118

تفسير الرازي

وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه ، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه ، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه ، وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة ، وذلك الخوف . إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المراد من الوجل القسم الأول ، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله ، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله . وهذا هو اللائق بهذا الموضع ، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار . فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا * ( وجلت قلوبهم ) * وقال في آية أخرى : * ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) * ( الرعد : 28 ) فكيف الجمع بينهما ؟ وأيضاً قال في آية أخرى : * ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) * ( الزمر : 23 ) قلنا : الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة ، ولا منافاة بين هاتين الحالتين ، بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة ، وهي قوله تعالى : * ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) * ( الزمر : 23 ) والمعنى : تقشعر الجلود من خوف عذاب الله ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله . الصفة الثانية : قوله تعالى : * ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ) * وهو كقوله : * ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً ) * ( التوبة : 124 ) ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين : الوجه الأول : وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه الله : أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيماناً ، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح " يريد أن معرفته بالله أقوى . ولقائل أن يقول : المراد من هذه الزيادة : إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل . أما قوة الدليل فباطل ، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات ، وتلك المقدمات إما أن يكون مجزوماً بها جزماً مانعاً من النقيض أو لا يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلاً في كل المقدمات ، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير ، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت ، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلاً ، بل أمارة ، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علماً بل ظناً ، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في